محمد جواد مغنية
139
في ظلال الصحيفة السجادية
ثمّ الّذين يلونهم الأمثل فالأمثل « 1 » ! وهذا عين الضّياع ، والتّناقض ، إذ يستحيل أن يكون الشّيء الواحد علة كاملة لوجود الشّيء ، وعدمه ، أو ضده في آن واحد . ونحن لا نشك إطلاقا في أنّ للحقّ ، وكلمته ثمنها من نفس قائلها ، وأهله ، أو من ماله ، وعرضه وإلا لم يكن له من فضل ، ولكن نرفض بقوة ، وإصرار أن تكون الدّنيا عند اللّه سبحانه دار حساب ، وجزاء ، كيف وهو القائل ، تقدست كلمته : وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ « 2 » . والواقع الظّاهر للعيان ، والوجدان أنّ ما من أحد يمر بهذه الحياة ، ويخرج بلا نوائب وآلام حتّى الّذين ملكوا ، واترفوا ، فإنّ وراء مظاهرهم نارا تلظى في قلوبهم ، أمّا الأنبياء ، والصّلحاء فهم الأشد بلاء كما أشرنا . ويبدو أنّ مصائب الحياة تعم ، وتشمل جميع الأحياء ، وآخر ما قرأت في هذا الباب نادرة طريفة نشرها الفيلسوف زكي نجيب محمود في جريدة الأهرام بتأريخ 5 / 9 / 1975 م ، قال : إنّ أستاذا للفلسفة أمريكيا زارني ، وطلب منّي أن أصحبه في جولة للنزهة ، فذهبنا ، وجلسنا في جزيرة حيث يسبح البط هدئا في البحيرة السّاكنة ، وقد كنت ساعتها مكدودا ، فقلت : ما أسعد هذا البط في هدوئه ، لا تزعجه شواغل الحياة ، ولا يعكر صفوه تنازع ، وتقاتل ، ولكني ما كدت أختم عبارتي حتّى انقسم البط شطرين ، ودارت معركة لم أدر سببها ، وأخذ بعضه يلاحق بعضا ضربا بالأجنحة ، وصراخا زاعقا .
--> ( 1 ) انظر ، الكافي : 2 / 253 ح 1 ، الخصال : 400 ، تحف العقول : 39 ، مستدرك الوسائل : 2 / 438 ، أمالي الطّوسي : 659 ، مناقب آل أبي طالب : 1 / 158 ، الوافي : 5 / 763 ، مستدرك الحاكم : 3 / 343 ، فتح الباري : 10 / 96 ، السّنن الكبرى : 4 / 352 ، كنز العمال : 3 / 326 ح 6778 و 6780 . ( 2 ) الزّخرف : 33 .